القرطبي

55

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثانية والعشرون - قوله تعالى : " فيتعلمون منهما " قال سيبويه : التقدير فهم يتعلمون ، قال ومثله " كن فيكون " . وقيل : هو معطوف على موضع " ما يعلمان " ، لان قوله : " وما يعلمان " وإن دخلت عليه ما النافية فمضمنه الايجاب في التعليم . وقال الفراء : هي مردودة على قوله : " يعلمون الناس السحر " فيتعلمون ، ويكون " فيتعلمون " متصلة بقول " إنما نحن فتنة " فيأتون فيتعلمون . قال السدي : كانا يقولان لمن جاءهما : إنما نحن فتنة فلا تكفر ، فإن أبى أن يرجع قالا له : ائت هذا الرماد فبل فيه ، فإذا بال فيه خرج منه نور يسطع إلى السماء ، وهو الايمان ، ثم يخرج منه دخان أسود فيدخل في أذنيه وهو الكفر ، فإذا أخبرهما بما رآه من ذلك علماه ما يفرقون به بين المرء وزوجه . ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر ليس يقدر على أكثر مما أخبر الله عنه من التفرقة ، لان الله ذكر ذلك في معرض الذم للسحر والغاية في تعليمه ، فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره . وقالت طائفة : ذلك خرج على الأغلب ، ولا ينكر أن السحر له تأثير في القلوب ، بالحب والبغض وبإلقاء الشرور حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه ، ويحول بين المرء وقلبه ، وذلك بإدخال الآلام وعظيم الأسقام ، وكل ذلك مدرك بالمشاهدة وإنكاره معاندة ، وقد تقدم هذا ، والحمد لله . الثالثة والعشرون - قوله تعالى : " وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " " ما هم " ، إشارة إلى السحرة . وقيل إلى اليهود ، وقيل إلى الشياطين . " بضارين به " أي بالسخر . " من أحد " أي أحدا ، ومن زائدة . " إلا بإذن الله " بإرادته وقضائه لا بأمره ، لأنه تعالى لا يأمر بالفحشاء ويقضي على الخلق بها . وقال الزجاج : " إلا بإذن الله " إلا بعلم الله . قال النحاس : وقول أبي إسحاق " إلا بإذن الله " إلا بعلم الله غلط ، لأنه إنما يقال في العلم أذن ، وقد أذنت أذنا . ولكن لما لم يحل فيما بينهم وبينه وظلوا يفعلونه كان كأنه أباحه مجازا . الرابعة والعشرون - قوله تعالى : " ويتعلمون ما يضرهم " يريد في الآخرة وإن أخذوا بها نفعا قليلا في الدنيا . وقيل : يضرهم في الدنيا ، لان ضرر السحر والتفريق يعود